في عصر يركض فيه العالم نحو الذكاء الإصطناعي، والأجهزة القابلة للطي، والسيارات التي تقود نفسها… من يتذكر أوغاريت؟
من يعرف أن هناك مدينة كانت قبل آلاف السنين تكتب، تُدَوِّن، تُعلّم، تُغني، وتُفكر… بينما لم تكن هناك كهرباء ولا إنترنت، ولكن كان هناك وعي بالحياة، بالمعنى، وباللغة؟
أوغاريت، المدينة التي اكتشفت صدفة على الساحل السوري في موقع يُعرف اليوم برأس شمرا، لم تكن مجرد أطلال من طين، بل كانت نافذة على فجر الإنسانية.
هنا ولدت أول أبجدية عرفها التاريخ. لا رموز ولا صور، بل حروف… متناسقة، مرتبة، تقود الإنسان من الصوت إلى الكتابة، ومن الكتابة إلى المعرفة.
وهنا أيضا، كتبت أول نوتة موسيقية مدونة في العالم… قبل أن تعرف البشرية معنى التدوين الصوتي.
في زمن كانت فيه الحضارات تقاتل بالحجارة، كانت أوغاريت تكتب الشعر وتعزف على القيثارة.
فماذا نقول اليوم، ونحن نعيش في عالم تسكنه آلاف التطبيقات، وتخزّن فيه السحب الإلكترونية كل لحظة من حياتنا، لكننا ننسى أن نسأل:
من نحن؟ وأين هي جذورنا؟
المدن العظيمة لا تقاس بإرتفاع أبراجها، بل بعمق ذاكرتها
والتكنولوجيا، مهما تقدمت، لن تغني عن معرفة ما بناه الأقدمون، ولا عن إحترام الحضارات التي مهدت لنا الطريق
اليوم، تعود أوغاريت لتذكرنا— لا بصوت الحروب ولا بصور الخراب— بل بصوت الحرف الأول
تقول لنا بصمتها العميق: “احفظوا التاريخ… فالتاريخ يحفظكم”
من لم يعرف أن الأبجدية الأولى جاءت من أوغاريت، لن يُقدر قيمة الحرف
ومن لا يحترم بداياته، سيضيع في المستقبل مهما بلغت قوته التكنولوجية
فهل نمنح أطفالنا فرصة ليتعلموا أن في الشرق القديم، ولدت الحروف… لا من آلات، بل من فكر الإنسان؟
Lebanon Times Magazine،في
نؤمن أن العودة إلى الجذور ليست رجوعا إلى الوراء بل إمتداد نحو مستقبل أكثر وعيا وثباتا. فنحن نعيش لنروي، ونروي لنحفظ، ونحفظ لنضيء الدرب أمام أجيال قادمة تحتاج لمعرفة من أين بدأت الحكاية
ومن أوغاريت، مدينة الأبجدية الأولى، نوجه تحية لكل حضارة زرعت فينا المعنى، ولكل حرف خط طريق الإنسان نحو النور
ولعلّ أجمل ما تركته لنا أوغاريت، ليس فقط الأبجدية، بل هذا السؤال الخالد
هل نكتب لنُخلّد ذواتنا؟ أم لنُشعل نارا صغيرة في ذاكرة العالم؟
فالحرف الذي وُلِد على لوح من الطين
أقوى من ألف سطر محفور على شاشة زجاجية
ومن ينسى جذوره، قد لا يعرف إلى متى سيتذكّر وجهته… فلنُعلم أبناءنا كيف يخطون حروفهم على صفحات التاريخ، لا فقط على شاشات الهواتف