في “الليبانون تايمز”، نحن لا نكتب فقط، بل نعيش الكلمة ونعنيها… وعندما نعد، نفي بوعدنا، لأن الوعد عندنا مقدس. في العدد السابق، تحدثت مع بعض الأصدقاء من مدينة رام الله عن التراث الفلسطيني، وأعجبت بحرصهم على حفظ العادات والتقاليد ونقلها إلى الأجيال القادمة. يومها، وعدتهم أن يكون لهذا التراث مساحة في العدد القادم من المجلة، وها أنا اليوم أفي بالوعد ! إلى كل من يحب الفرح الفلسطيني بكل تفاصيله، إليكم رحلة ممتعة في عرس فلسطيني أصيل، حيث الزفة والدبكة والزغاريد والعديّات التي تروي قصة شعب لا يزال متمسكا بجذوره رغم كل شيء… لننتقل معا إلى فلسطين

  • عندما يتحول العرس إلى مهرجان تراثي

لطالما كانت الأعراس الفلسطينية واحدة من أهم المناسبات الاجتماعية التي تجمع العائلة والمجتمع، حيث تتحول إلى احتفال ضخم يعكس العادات والتقاليد العريقة. في مدينة رام الله، لا تزال حفلات الزفاف تحمل نكهتها التراثية الخاصة، حيث تتجلى الأصالة الفلسطينية في الأغاني الشعبية، الأهازيج، العديّات، والزفة التقليدية، التي ما زال الجيل الجديد يتعلمها بفخر

في رحلة بين  هيوستن ونافاسوتا، وبين حديث وحكاية، بدأت أصوات النساء تتداخل في حافلة تسير على طرقات تكساس. ما زلنا نحفظ الردّيات والزغاريد ونعلمها لأبنائنا قالت أحدى السيدات من كبار السن في الحافلة، وهي تستذكر أيام الأعراس القديمة. وعدتهم أن يكون التراث حاضرا في العدد القادم من المجلة، وها نحن نفتح أبواب الفرح الفلسطيني، لندخل إلى عالم الأعراس التقليدية، حيث تتراقص الكلمات على وقع الدبكة، ويصدح الصوت عاليا بالعديّات والزغاريد

الزفة الفلسطينية: فرح يجوب الشوارع

الزفة الفلسطينية ليست مجرد موكب احتفالي، بل هي طقس تراثي يحمل روح الجماعة والتآلف الاجتماعي. في رام الله، تبدأ الزفة عادة من بيت العريس، حيث يرافقه الأهل والأصدقاء وسط أجواء من الغناء والدبكة

في مقدمة المسير، يقف “المطرب الشعبي” أو “الحكواتي”، الذي يقود الأهازيج والأغاني التراثية، محكيا عن

الفروسية، الشهامة، وجمال العروس. لا يحتاج المغني إلى أوراق، فالكلمات تأتي عفوية، من قلب الفرح، وترددها الحشود خلفه بصوت واحد:

عريسنا زين الشباب، والله محلاه
يا أهل العريس زيدو الهلا، العريس مثل القمر طالع هلا

وفي بعض الأحيان، يشارك الشباب بالبارودة (البندقية)، حيث يتم إطلاق الرصاص في الهواء كنوع من التعبير عن الفرح، وهي عادة تراثية موجودة في بعض القرى الفلسطينية

  • العديّات: أشعار الفرح والبركة

العديّات هي مقاطع شعرية مغناة تحمل معاني التبريك والفرح، تلقى بصوت جهوري وسط الحضور، وتعبر عن الأمنيات الطيبة للعروسين. وفي بعض الأحيان، تكون العديّات على شكل تحد بين النساء، حيث ترد كل مجموعة على الأخرى بأبيات جديدة!

يا طير طاير بالهوا، بارك للعروس بالمفتاح
يفتح لها أبواب الخير، وسعادة ما إلها ارتياح

بسم الله عَ العريس، زين الشباب وزين الناس
وعَ العروس المِتل القمر، مبارك الحُسن واللباس

هذه الأشعار ليست مجرد كلمات، بل رسائل محبة وأمل، تنقل من جيل إلى جيل، وما زالت الجدات تعلمها لحفيداتهن، كأنها إرث لا يموت

  • الزغاريد: صوت الفرح الذي لا يُنسى

الزغاريد هي الصوت المميز للفرح الفلسطيني، حيث تطلقها النساء في الأعراس والمناسبات السعيدة، فتملأ الأجواء بحماسها وبهجتها

تبدأ “أم العريس” أو “أم العروس” أول زغرودة، فترد عليها النساء الأخريات بزغرودات متتالية، مما يجعل المكان مفعما بالحيوية والإثارة

لولو لولو لولو لويش! ألف مبارك وهَ العريس!”

أويها… ألفين صلاة عَ النبي، ومحلى العريس بلبسو الذهبي!”

إنها ليست مجرد تعبير عن الفرح، بل هي رسالة جماعية تحتفل بالعروسين وتنشر الطاقة الإيجابية في المكان!

  • الدبكة الفلسطينية: رقصة الهوية والفخر!لا يكتمل العرس الفلسطيني دون الدبكة، وهي الرقصة الشعبية الأكثر شهرة في الأعراس.

في رام الله، تتصدر دبكة السحجة والدلعونا المشهد، حيث يصطف الرجال والنساء في حلقات تتشابك فيها الأيدي، فيما يقود “اللويح” الدبكة، مشجعا الجميع على تكرار الحركات الإيقاعية التي تعكس القوة والانسجام الجماعي.

عَ الدلعونا، عَ الدلعونا… يا زريف الطول وقف تاقلك عَ الدلعونا!”

مع ضربات الأقدام المتناغمة، ترتفع هتافات الحضور، وكأن الأرض نفسها تهتز مع نبض التراث الفلسطيني!

  • المأكولات التراثية: نكهة الأصالة في العرس الفلسطيني!

أي عرس فلسطيني لا يكتمل دون المائدة التقليدية التي تجمع الجميع حولها! ومن أبرز الأطباق التي تقدم:

المنسف الفلسطيني:  سيد المائدة في معظم الأعراس، يتكون من اللحم المطبوخ مع الجميد (اللبن المجفف) فوق الأرز البلدي.
الكنافة النابلسية: الحلوى الأشهر في فلسطين، تقدم ساخنة ومشبعة بالقطر اللذيذ.
المعمول المحشو بالتمر أو الجوز:  يقدم مع القهوة العربية كتحية للضيوف.

حتى في المهجر، يحرص الفلسطينيون على تقديم هذه الأطباق في حفلات زفافهم، لأنها تحمل في طياتها طعم الوطن والذكريات!

  • هل سيبقى العرس الفلسطيني كما كان؟

رغم التغيرات العصرية، ما زال الفلسطينيون يحتفظون بتراثهم في أعراسهم. وما زالت الأغاني الشعبية تصدح في القرى والمدن، وما زالت الزفة تجوب الشوارع بالفرح . حتى الشباب في المهجر يحاولون إحياء هذه العادات، لأنهم يدركون أن التراث هو الهوية التي لا تموت.

قد تتغير العادات وتختلف أشكال الاحتفال، لكن الفرح الفلسطيني يبقى نابضا بالحياة، ينتقل من جيل إلى جيل كأغنية لا تنتهي. فما دام هناك فلسطينيون يغنون ويرقصون، فإن الأعراس ستظل رمزا للهوية والانتماء.

وأنت ايها القارئ، هل حضرت يوما عرسا فلسطينيا؟

كيف رأيت هذا التراث العريق؟