كتبت: جوليا نادر: من بيلاطس إلى اليوم العالمي لغسل اليدين: بين التهرب من المسؤولية وحماية الإنسان
by lebanon.times | Oct 2, 2025 | Featured Articles |
في مشهد خالد من التاريخ، وقف بيلاطس أمام الجماهير يغسل يديه ليعلن براءته من دم السيد المسيح، قائلا إنه غير مسؤول عما سيحدث. كان الماء هنا أداة للتنصل من الحق، ورمزا للهروب من الواجب الأخلاقي
لكن اليدين لم تكونا يوما رمزا للهروب فقط؛ ففي الثقافات والأديان، كان لغسل اليدين معنى الطهارة والتقديس. ففي الإسلام الوضوء شرط للصلاة، وفي اليهودية يغسل قبل الطعام، وفي المسيحية طقوس التعميد والتطهير. إنه فعل يعبر عن النظافة الجسدية والروحية على السواء
مع الزمن، تغير المفهوم. ففي القرن التاسع عشر، جاء الطبيب المجري إيجناز زملفايس ليصر على أن غسل اليدين بالماء والصابون في المستشفيات ينقذ الأرواح. سخر منه كثيرون، لكن التاريخ أنصفه بعدما أثبت العلم أن الأوبئة والجراثيم تهزمها قطرة ماء وصابون. ومع لويس باستور، صار غسل اليدين قاعدة لا غنى عنها في الطب
واليوم، في الخامس عشر من أكتوبر، يحتفل باليوم العالمي لغسل اليدين. أطلقته منظمات صحية عالمية عام 2008 لتذكير البشرية أن هذه العادة البسيطة قد تنقذ ملايين الأرواح من أمراض مميتة. لكنه في جوهره، ليس مجرد دعوة للنظافة، بل أيضا نداء أخلاقي: لا تغسلوا أيديكم من مسؤولياتكم تجاه الآخر
فكم من دول ومنظمات اليوم تغسل يديها أمام مآسي الشعوب؟ تُعلن “القلق” و”الأسف” ثم تتنصل، تاركة الأطفال في الحروب، واللاجئين في العراء، والضعفاء بلا حماية. المشهد واحد: بيلاطس قبل ألفي عام، والإنسانية اليوم، نفس الماء، ونفس الصمت، ولكن الضحية دائما هو الإنسان
غسل اليدين قد يكون فعل نجاة وصحة، لكنه يصبح خطيئة إذا تحول إلى وسيلة للهروب من الحقيقة. الصحافة هنا تحمل رسالتها: وتقول الحقيقة، وأن تذكر بأن الضمير لا يخدع بالماء، وأن المسؤولية لا تزول بقطرة صابون
فلتكن أيدينا مغسولة من الجراثيم… لا من الواجب