مصر… أرض الخلود ومهد الحماية، المكان الذي اختاره الله ليكون ملجأ للنور في زمن الظلم
منذ فجر التاريخ، لم تكن مصر وطنا فحسب، بل حضارة بحجم الزمن، وملاذا يؤمن إليه حين تضيق الأرض
وهنا، على ضفاف النيل، وجدت العائلة المقدّسة مأواها حين هرب الطفل يسوع من وجه هيرودس، فاحتضنته مصر بطمأنينة القلوب، وبنور جرى في شرايينها منذ آلاف السنين
من سيناء إلى دلتا النيل، مرّت خطوات العائلة المباركة في رحلة وُلدت منها البركة، لتصبح مصر شاهدا أبديا على أن الرحمة أسبق من القوة، وأن حماية الضعيف فعلٌ تُباركه السماء
منذ آلاف السنين، كانت مصر تنسج خيوط حضارة لا تشبه غيرها
حضارة كُتبت على الحجر، ونُحتت في المعابد، وصنعت من الإنسان المصري نبيا في المعرفة، وملكا في الإبداع
هنا وُلدت الكتابة الأولى، وسُنت القوانين، وازدهرت علوم الفلك والطب والهندسة
وفي كل مسلة وتمثال وإهرام، يكمن سر من أسرار الدهشة، وشاهد على عبقرية آمنت بأن الزمن شريكٌ في الخلود، لا عدو له
الفراعنة لم يبحثوا عن السلطة بقدر ما بحثوا عن معنى الحياة
ولهذا بنوا معابد الشمس، وزيّنوا مقابرهم برسائل تُحدث السماء عن رحلة الإنسان نحو النور
-
حين تستيقظ الحضارة من جديد
وكأن مصر، بعد آلاف السنين، قررت أن تُعيد
للعالم درسها القديم
أن الحضارة لا تشيخ، بل تنبعث كلما وُجد من يؤمن بجمالها ويصون إرثها
وهكذا، شُيد المتحف المصري الكبير عند أقدام الأهرامات، ليكون أكبر متحف أثري في العالم، ومرآة تعكس روح مصر عبر العصور
في داخله، تنبض آلاف القطع بالحياة، ومن بينها المجموعة الكاملة لتوت عنخ آمون التي تُعرض لأول مرة مجتمعة — كأن الملك الشاب عاد من رحلته الأبدية ليشهد زمنا جديدا يكرم حضارته
وفي ليلة افتتاحه المهيبة، أضاءت الجيزة بأنوارٍ من سحر وهيبة
اجتمع القادة من أكثر من سبعين دولة، وتداخلت الموسيقى مع عروض الطائرات المسيّرة، وكأن التاريخ نفسه وقف يبتسم تحت سماء مصر.
كانت تلك الليلة رسالةً واضحة: أن المجد لا يُدفن، وأن الحضارة إذا نامت… لا بد أن تستيقظ
في الأرض التي احتضنت الطفل يسوع هاربا من الظلم، تستمر اليوم رسالة السلام
مصر — التي كانت ملجأ في الماضي — هي نفسها التي تحمي إرثها اليوم، وتُعلم العالم أن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بالحجارة وحدها، بل بقدرة الإنسان على أن يمنح الحياة للذاكرة
من الأهرامات التي لامست السماء إلى المتحف المصري الكبير الذي يعيد رسم فصل جديد من فصول الخلود، تبقى مصر نبضا لا ينطفئ، وملهمةً لكل زمن
وفي ديسمبر
حين يتردّد في العالم صدى الميلاد ورمز ولادة النور، تهمس مصر للعالم
إن النور الذي لجأ إليها طفلٌ صغير ذات يوم
هو نفسه النور الذي يشع اليوم من حضارتها
ويذكرنا بأن السلام هو أقدم هدية من السماء
وأنه لا يموت في أرض عرفت كيف تحميه