في الرابع من يناير من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للغة برايل، تكريما للغة لم تُكتب بالحبر، بل بالإحساس، ولم تقرأ بالعين، بل بالبصيرة.
لغة برايل ليست مجرد نقاط بارزة، بل جسر إنساني مكن الملايين من المكفوفين حول العالم من القراءة، التعلم، العمل، والاستقلال، ومن أن يكونوا جزءا فاعلا من مجتمعاتهم
لغة من ست نقاط… فتحت العالم
ابتكر لويس برايل هذه اللغة في سن مبكرة، لتتحول لاحقا إلى وسيلة عالمية للتواصل والمعرفة. ست نقاط فقط كانت كافية لتفتح أبواب الكتب، الموسيقى، العلوم، وحتى التكنولوجيا، أمام من حُرموا نعمة البصر، من دون أن تُحرم أرواحهم من النور
لكن الاحتفال بلغة برايل لا يجب أن يقتصر على اللغة نفسها، بل على القضية الأوسع: حق المكفوف في المعرفة، وفي أن يُعامل كإنسان كامل، لا كحالة خاصة
المشكلة ليست في فقدان البصر
للأسف، لا يزال كثيرون ينظرون إلى الكفيف على أنه إنسان ناقص، بينما الحقيقة أبسط وأعمق:
العمى ليس نقصا في الإنسان، بل اختلاف في وسيلة الإدراك
الكفيف قد يفقد البصر، لكنه لا يفقد البصيرة
ولا تُقاس قيمة الإنسان بما تراه عيناه، بل بما يراه قلبه وعقله
ما يحتاجه الكفيف… ليس الشفقة
أكثر ما يرهق المكفوف ليس فقدان النظر، بل نظرة المجتمع
هو لا يحتاج إلى شفقة، ولا إلى معاملة فوقية، بل
إلى: احترام استقلاله، الاعتراف بقدراته، التعامل معه طبيعيا، من دون مبالغة أو تجاهل، منحه فرص التعليم والعمل على أساس الكفاءة، لا الإعاقة
فكم من مبصر لا يرى، وكم من كفيف يرى ما لا نراه
التعاون يبدأ من تفاصيل صغيرة
الدمج الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بالممارسة اليومية
توفير الكتب والمطبوعات بلغة برايل
اعتماد لافتات إرشادية بارزة في الأماكن العامة
دعم التعليم الدامج في المدارس والجامعات
فتح أبواب العمل أمام المكفوفين دون أحكام مسبقة
التحدث إلى الكفيف مباشرة، لا عبر مرافقه
هذه التفاصيل البسيطة قادرة على تحويل المجتمع من متفرّج إلى شريك
لغة برايل… لغة إنسانية
الاحتفال باليوم العالمي للغة برايل هو تذكير بأن النور الحقيقي لا يُرى دائما بالعين
أحيانا يُلمس… وأحيانا يُفهم
وأحيانا يُكتب بست نقاط، لكنها تقول الكثير
في هذا اليوم، دعونا نُعيد النظر، لا في عيون من فقدوا البصر، بل في نظرتنا نحن
فالمجتمعات المتحضّرة لا تُقاس بما تراه، بل بما تتيحه لكل إنسان فيها أن يكون مرئيا، مسموعا، ومحترما
..قد يفقد الإنسان بصره.. لكنه لا يفقد بصيرته