كان صباحا عاديا في نيويورك
سماء زرقاء صافية، الناس في طريقهم إلى أعمالهم، والطائرات تقلع من المطارات كما في كل يوم
لم يكن أحد يعرف أن هذا الصباح سيصبح واحدا من أكثر الأيام رسوخا في ذاكرة العالم الحديث
الثلاثاء، 11 سبتمبر 2001
عند الساعة 8:46 صباحا، اصطدمت طائرة مخطوفة بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي. وبعد أقل من عشرين دقيقة، اصطدمت طائرة ثانية بالبرج الجنوبي
لم يعد هناك مجال للشك: أميركا تتعرض لهجوم
لاحقا اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى البنتاغون، بينما تحطمت الرحلة United 93 في بنسلفانيا بعد أن قاوم ركابها الخاطفين. وخلال أقل من ساعتين، انهار البرجان
قتل2,977 شخصا وأصيب آلاف آخرون. لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تستطيع أن تروي القصة كاملة
الذين صعدوا… فيما كان الجميع ينزل
وسط الخوف والدخان والفوضى، وبينما كان آلاف الأشخاص يحاولون الخروج من البرجين، كان رجال الإطفاء والشرطة والمسعفون يصعدون
كانوا يتجهون نحو المكان الذي كان الجميع يحاول الهرب منه. بعضهم لم يعد
وفي الشوارع، ساعد غرباء غرباء آخرين، وحمل الناس المصابين، وتبرعوا بالدم، وشارك آلاف المتطوعين في عمليات البحث والإنقاذ
ولهذا، عندما نتذكر 11 سبتمبر بعد خمسة وعشرين عاما، لا نتذكر فقط الأبراج التي سقطت… نتذكر أيضا الذين صعدوا إليها
عالم قبل 11 سبتمبر… وعالم بعده…
هناك أحداث تمر في التاريخ، وهناك أحداث تقسمه إلى ما قبل وما بعد. وكان 11 سبتمبر واحدا منها
بعد ذلك اليوم تغيّر السفر الجوي وإجراءات المطارات والأمن، وتغيّرت السياسات الأميركية، وبدأت حروب
امتدت سنوات، وأصبح الإرهاب والأمن القومي جزءا دائما من النقاش العالمي
لكن بعد ربع قرن، هناك حقيقة أخرى تستحق التوقف عندها
جيل كامل لا يتذكر ذلك الصباح
بالنسبة إلى ملايين الأميركيين، 11 سبتمبر ليس ذكرى شخصية، بل تاريخ قرأوا عنه وصور شاهدوها وقصة رواها لهم آباؤهم أو أساتذتهم
وبحسب National September 11 Memorial & Museum، هناك نحو100 مليون أميركي وُلدوا بعد الهجمات أو كانوا أصغر من أن يتذكروها
وهنا يصبح السؤال : كيف نحافظ على ذاكرة حدث عندما يأتي جيل جديد لا يملك أي ذاكرة عنه؟
ربما لهذا أصبحت عبارة Never Forget لن ننسى أكثر من مجرد شعار. فالذاكرة لا تنتقل وحدها… يجب أن تُروى
ضحايا لم تنتهِ قصتهم في ذلك اليوم
لم تنتهِ آثار 11 سبتمبر عندما انقشع الدخان
فخلال السنوات التالية، أصيب رجال إطفاء وعناصر شرطة وعمال إنقاذ ومتطوعون وسكان بأمراض مرتبطة بالتعرض للغبار والمواد الخطرة في موقع مركز التجارة العالمي
واليوم يتابع World Trade Center Health Program صحة أكثر من 125 ألف مستجيب وناج مسجلين في البرنامج
وفي الذكرى الخامسة والعشرين عام 2026، ستُضاف للمرة الأولى لحظة صمت سابعة في مراسم نيويورك، تكريما لأولئك الذين فقدوا حياتهم لاحقا نتيجة الأمراض والإصابات المرتبطة بالهجمات وما أعقبها : وكأن التاريخ يقول بعد خمسة وعشرين عاما لم ينتهِ ذلك اليوم عندما انقشع الدخان
بعد 25 عاماً
في 11 سبتمبر 2026، ستُقرأ أسماء الضحايا من جديد في المكان الذي كان يقف فيه البرجان
اسما بعد اسم . ليس أرقاما… بل أسماء، خلف كل منها عائلة وصورة وحكاية وحياة توقفت في صباح لم يكن يفترض أن يكون مختلفا عن أي صباح آخر.
وفي المكان نفسه يقف اليوم النصب التذكاري ومتحف 11 سبتمبر، فيما يرتفع One World Trade Center فوق أفق نيويورك
مدينة أعادت بناء نفسها… لكنها لم تمحُ الذاكرة
Never Forget
بعد خمسة وعشرين عاما، تغيّر وجه نيويورك، وتغيّرت أميركا، وتغيّر العالم.لكن مسؤولية الذاكرة ليست أن نورّث الأجيال الخوف أو الكراهية أو الرغبة في الانتقام
بل أن نورثهم الحقيقة، وأن نحفظ أسماء الضحايا وقصص الشجاعة والرحمة والتضامن التي ظهرت وسط المأساة
فبين صور الدخان والركام بقيت صورة أخرى لا يجب أن تضيع
إنسان يمد يده إلى إنسان لا يعرفه
وربما لهذا لا تعني عبارة Never Forget أن نتذكر فقط كيف مات الناس في ذلك اليوم…
بل أن نتذكر أيضًا كيف وقف الناس إلى جانب بعضهم عندما انهار كل شيء
خمسة وعشرون عاما مرّت
جيل جديد وُلد
والبرجان لم يعودا هناك
لكن الأسماء باقية
والقصص باقية
والذاكرة باقية
لأن بعض الأيام لا تنتهي عندما تغيب الشمس…
تبقى معنا، لتذكّرنا بما فقدناه، وبما يجب ألا نفقده من إنسانيتنا